معركة جديدة تخوضها الحركة الأسيرة ضد السجان الصهيوني باقتدار وكفاءة عاليتين وتحشر الاحتلال في الزاوية ، بعد أن تراجعت إدارة السجون عن المطالب التي حققتها الحركة الأسيرة في مارس- آذار الماضي ، المتعلقة ( أولاً) بمنع النقل التعسفي للأسرى من معتقل إلى آخر التي جرى التركيز فيها على أسرى حركة الجهاد الإسلامي على خلفية عملية نفق جلبوع البطولية ،التي ضربت منظومة الأمن الصهيونية في الصميم بتحسين الشروط الاعتقاليه ، والمتعلقة(ثانياً) بزيارة الأقارب والكانتينا والجوانب الصحية وغيرها.
والإدارة الكفؤة للمعركة ضد مصلحة السجون الصهيونية تعود إلى عدة عوامل أبرزها:
أولاً: وجود قيادة موحدة ومجربة للحركة الأسيرة في المعتقلات الصهيونية تحت اسم " لجنة الطوارئ الوطنية العليا للحركة الأسيرة الفلسطينية " ، فنحن الآن أمام هيكلية قيادية منظمة للأسرى في المعتقلات الصهيونية، فأسرى كل فصيل من فصائل المقاومة لهم قيادتهم التي تتحدث باسمهم ، وهذه القيادة ممثلة في القيادة العليا للحركة الأسيرة ،التي تقود نضالات الحركة الأسيرة بتكتيكات تعكس قدرات تنظيمية وسياسية هائلة، إذ أنها بهذه القدرات ، أعادت الاعتبار لنضالات الحركة الأسيرة للمرحلة السابقة على اتفاقات أوسلو 1993، والتي تميزت بإنجاز إضرابات تاريخية تحولت إلى انتفاضات حقيقية في سجون الاحتلال
ثانياً: قدرة هذه القيادة على التواصل بمختلف الأساليب مع قواعد الحركة الأسيرة ، ولا يلبث أن يصدر بيان عن هذه القيادة حتى يصل لكل الأسرى في مختلف المعتقلات ويتم الامتثال لما جاء فيه من خطوات نضالية.
ثالثاً: الخبرة الهائلة والمكتسبة التي راكمتها الحركة الأسيرة منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 ، من خلال الانتفاضات المتكررة ومسلسل الإضرابات عن الطعام والاشتباك في كثير من الأحيان مع شرطة المعتقلات واللجوء إلى حرق المهاجع أحيانا.
الطابع الجبهوي للحركة الأسيرة
ويسجل للحركة الأسيرة أنها أرست تقاليد تنظيمية ذات طابع جبهوي ، تجاوزت فيها الحركة الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع والشتات ، بعد أن باتت منظمة التحرير مجرد أداة للاستخدام بيد قيادة السلطة، وأشبه بخيمة تملؤها الثقوب جراء نهج القيادة المتنفذة التي ترفض عملياً وتحت مبررات واهية، إعادة بنائها على قاعدة الانتخاب وفق مبدأ التمثيل النسبي.
لقد انعكست اتفاقات أوسلو بالسلب على إنجازات الحركة الأسيرة، حين انقضت سلطات العدو على الإنجازات التي حققتها الحركة الأسيرة، بصمودها وبأمعائها الخاوية قبل توقيع هذه الاتفاقات، ومثلما شكلت هذه الاتفاقات غطاءً للتهويد والاستيطان، فقد شكلت أيضاً غطاءً لضرب نضالات الحركة الأسيرة ومنجزاتها السابقة.
لقد بذل الأسرى جهوداً كبيرة لإعادة الاعتبار لإنجازاتهم السابقة، عبر هبات متتالية تكللت بانتفاضة الأسرى وإضرابهم الشامل عن الطعام عام 2017، الذي حقق الكثير من مطالب واشتراطات قيادة الحركة الأسيرة، وكان بالإمكان أن يحقق الإضراب كل مطالب الحركة الأسيرة، لولا قصر نظر بعض الأطراف في الخارج وموقفها السلبي من القائد الأسير مروان البرغوثي، الذي شكل مع القائد الأسير أحمد سعدات – الأمين العام للجبهة الشعبية- ومع بقية قيادات الحركة الأسيرة، قيادة موحدة للإضراب الذي كسر هيبة سلطات سجون الاحتلال.
في مواجهة تراجع إدارة السجون الصهيونية عن مطالب الأسرى
في المعركة الراهنة التي بدأت قبل حوالي أسبوع ، تقود لجنة الطوارئ الوطنية العليا للحركة الأسيرة ، معركتها في سياق تراكمي متدرج ومدروس، لدفع السجان الصهيوني للرضوخ مبكراً لمطالب الحركة الأسيرة التي طرحتها في فبراير (شباط) الماضي ، والتي تراجع عنها لاحقا ً ، بعد أن وافقت عليها إدارة سجون الاحتلال في شهر آذار (مارس) الماضي، للحؤول دون تنفيذ الأسرى للإضراب ممثلةً بشكل رئيسي بمنع النقل التعسفي للأسرى وخاصةً أسرى حركة الجهاد الإسلامي.
وصدر عن لجنة الطوارئ حتى اللحظة ثلاث بيانات ، كل بيان ينطوي على خطوات نضالية يراكم على البيان الذي سبقه ، ففي البيان الأول الصادر بتاريخ 20 أغسطس ( آب) الجاري أوضحت فيه اللجنة مبررات الحراك النضالي الجديد بقولها : "كعادتهم التي عهدناها عليهم بالنقض للعهود والمواثيق؛ ها هي إدارة سجون الاحتلال تتراجع عن التفاهمات التي حصلت معهم في شهر آذار الماضي، والتي على إثرها أوقفنا حراكنا الاستراتيجي آنذاك، وتقرر العودة لقرارها بالتنكيل بالأسرى عمومًا وبالأسرى المؤبدات خصوصًا، وذلك عبر النقل التعسفي كل 6 أشهر، لتفقد الأسير استقراره وانسجامه مع محيطه الذي فُرِضَ عليه بعد قضائه سنوات طويلة في الأسر، حيث أن غالبية الأسرى اقتربوا من عامهم الـ "20".
وأوضحت اللجنة في بيانها الأول أنه بعد التشاور ، قررت خوض الحراك النضالي عبر خطوات تكتيكية تنتهي خلال مدة أقصاها أسبوعين بإضراب مفتوح عن الطعام تشارك فيه كافة فصائل العمل الوطني في سجون الاحتلال، على أن يبدأ الحراك عبر الإضراب يومي الإثنين 22-8 والأربعاء 24-8 مع الامتناع عن الخروج للفحص الأمني كبداية أولية وإنذار أخير لإدارة سجون الاحتلال لوقف هذه الهجمة والتراجع عن قراراتها.
وكما دعا البيان كافة أبناء شعبنا وفصائله الحية والمقاومة للوقوف إلى جانب الحركة الأسيرة في هذه المعركة "هذا الشعب الذي عهدناه دومًا مساندًا لقضاياه الحية وعلى رأسها قضية الأسرى التي هي قضية حرية الإنسان على طريق حرية الأرض".
وقد تم أنجاز المرحلة الأولى التي تضمنها البيان الأول ، بكفاءة عالية ، في ضوء التزام الأسرى في كافة المعتقلات بما هو مطلوب منهم.
وجاء البيان الثاني بتاريخ 23 أغطس ( آب الجاري)ليراكم على البيان الأول مؤكداً بلغة سياسية متقدمة على مسألة موضوعية وعملية، مرتبطة بظروف المعركة، وهي " أن معركة الحركة الأسيرة لا يوجد فيها (أم المعارك) ، وأن عملية التدافع مع السجان الصهيوني مستمرة ما دام هناك احتلال.
ومع اقتراب الموعد المحدد لخوض الإضراب المفتوح عن الطعام؛ والذي من المقرر أن يبدأ في بداية أيلول القادم، أكدت قيادة الحركة الأسيرة على ما يلي:
1-عدم السماح في أي يوم من الأيام للسجان الصهيوني أن يفرض إرادته علينا، ولن نسمح بذلك اليوم أيضا عبر وحدتنا الوطنية، وخلف قيادة وطنية موحدة.
2- الدعوة ليكون يوم الجمعة القادم 26/8/2022م يومًا للنصرة والنفير لإسناد الأسرى الأحرار، عبر تخصيص خطب الجمعة للحديث عن أسرى الحرية، والخروج إلى نقاط التماس مع المحتل في كافة محافظات الوطن.
3- إن الحراك والإضراب الذي شرعت فيه الحركة الأسيرة لن يتوقف ، إلا بتحقيق كامل مطالبنا، ولن تنتهي معاناتنا إلا بتحقيق حريتنا ،التي هي مسؤولية الجميع من أبناء شعبنا ومقاومته.
وهذا البيان لقي استجابة واسعة من أبناء شعبنا وقواه الوطنية ، في الضفة والقطاع عبر مسيرات جماهيرية واعتصامات في مختلف المدن وأمام مكاتب الصليب الأحمر الدولي طالبوا فيه الصليب الأحمر وكافة المنظمات الحقوقية والانسانية التدخل لوقف إجراءات العدو ضد الأسرى التي تتنافي مع اتفاقيات جنيف الرابعة، في حين أشتبك أبناء شعبنا عند الحواجز ونقاط التماس مع قوات الاحتلال ، واشتبك المقاومون مع قوات الاحتلال في مدينتي نابلس وجنين ، كما التزم خطباء المساجد في عموم الوطن بنداء الحركة الأسيرة وخصصوا خطبة الجمعة لنصرة الأقصى والتعبئة ضد الاحتلال.
البيان الثالث للحركة الأسيرة وقرار التصعيد
وجاء البيان الثالث في الثامن والعشرين من شهر آب (أغسطس الجاري) ليكرس المواجهة الساخنة مع سلطات المعتقلات الصهيونية ، إذ دعا إلى عدة خطوات على نحو :
1-حل الأطر التنظيمية للحركة الأسيرة ، حيث جاء فيه ما يلي: "نحن ندخل مرحلةً جديدة من مراحل المواجهة مع السجان، وذلك عبر الإعلان رسمياً في كافة السجون عن حل التنظيم في خطوة تمرد على السجان وقراراته بأعلى درجاته، كمرحلة أخيرة قبل الشروع في الإضراب المفتوح عن الطعام، والذي تم تحديد موعده من قبل لجنة الطوارئ الوطنية العليا للحركة الوطنية الأسيرة".
2- أنه "سيتم الشروع في الإضراب المفتوح عن الطعام في دفعته الأولى، والمكونة من 1000 أسير يوم الخميس 1/9/2022م، والذي سيتم رفده بأفواج أخرى وفق آلية متفق عليها ومنظمة من قبل لجنة الطوارئ".
لقد بدأت المعركة الميدانية يوم أمس الاثنين في إطار المراكمة على الخطوات النضالية على الإجراءات التي تضمنها البيانان الأول والثاني ، فمنذ صباح أمس الاثنين نفذ الأسرى في كافة المعتقلات الصهيونية وعددهم (4550) أسيراً وأسيرة، خطوة ارتداء الزي البني وهو زي إدارة السجون (الشاباص) طوال اليوم، وعند الخروج إلى ساحات السجون، وكذلك عند قيام إدارة السّجون بإجراء "العدد"، وذلك في إشارة إلى استعدادهم للمواجهة المباشرة وتصاعدها"..
وبين نادي الأسير في بيانٍ له، أنّ "هذه الخطوة ينفّذها الأسرى إلى جانب امتناعهم عن الخروج إلى ما يسمى "بالفحص الأمني"، وكذلك إرجاع وجبات الطعام، تندرج جميعها ضمن مسار (العصيان والتمرد) على قوانين إدارة السجون، على أن تنتهي بإضراب الأسرى عن الطعام في الأول من أيلول المقبل أي بعد يومين، وذلك في حال استمرت إدارة السجون على موقفها الحالي".
نحو أوسع سبل الدعم للحركة الأسيرة
في مواجهة تراجع العدو عن التفاهمات مع الحركة الأسيرة في مارس (آذار) الماضي واستمراره في سياسات التنكيل الإجرامية بحقهم ، مطلوب من فصائل المقاومة والمؤسسات المجتمعية أن تنجز عدة مهام أبرزها :
1-تفعيل الحراك الجماهيري المتضامن مع الحركة الأسيرة، في الداخل الفلسطيني والشتات أمام مقرات الصليب الأحمر والأمم المتحدة ، بعيداً عن العصبوية التنظيمية ، وتغطية هذه الحراك إعلامياً.
2- تفعيل حالة الاشتباك مع العدو عند الحواجز الاحتلالية ونقاط التماس مع العدو الصهيوني.
2- بلورة مطالب الأسرى التي تراجع العدو عنها ، وتظهير هذه المطالب إعلامياً.
3- العمل على تشكيل لجان لدعم الأسرى في الخارج ، تمارس مهامها بشكل يومي وليس في إطار مناسبي.
4- مطالبة كافة المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وهيئة الصليب الاحمر الدولي بتحمل مسؤولياتها، في كشف الممارسات البشعة التي يمارسها الاحتلال ضد الأسرى والمعتقلين، والعمل على فرض معايير حقوق الإنسان، الى حين إطلاق سراحهم، إذ إن استمرار الكيان الصهيوني، في اعتقال الأسرى الفلسطينيين والعرب، وبوصفه كقوة احتلال ينتهك القوانين والمعاهدات وخاصة البنود 76،77،78،94 من معاهدة جنيف الرابعة وكافة نصوص اتفاقية جنيف الثالثة، والبند 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والبند 36 من ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الطفل الخاصة بأسرى الحرب، يرتب على المجتمع الدولي، العمل على تحرير جميع الأسرى والمعتقلين من السجون الاسرائيلية.
5- أن تباشر المؤسسات الحقوقية الفلسطينية بالتنسيق مع منظمات حقوق الانسان الدولية إلى رفع ملف الأسرى وتنكيل العدو الصهيوني بهم، إلى محكمة الجنايات الدولية، وعدم انتظار موقف السلطة الفلسطينية بهذا الخصوص، التي لا تزال تراوح في مكانها دون اتخاذ خطوة عملية يعتد بها.

